تحكي الأساطير الحديثة :
أن الفتى العربي عنترة
البطل
في قبره بين الصحارى
الموحشة
أضناه طول الانتظار
وامتد فيه الليل ... طال
الليل ، ليس يذيبه ماء
النهار
وهناك خلف الدمنة السمراء
في كنف الرمال
تشدو أهازيج الحقيقة
أُلبست ثوب الخيال
وينام نصب للبطولةِ
والرجولة بين أحضان
الفخار
يزدان في حلل ... ويزهو
في ثياب من وقار .
*******
مرت به امرأتان في جنح
الدجى
كلتاهما ، وقفت جوار القبر
في ثوب الخشوع
هذي به لاذت على ضعف
وتلك هوىً ، على وجد
تلوذ
ما أروع الوجهين ! ...
شعّ النور ... حين تسللت
بعض الدموع
بكتا بلهفة عاشق ، وتناثرت
بعض الكنوز
لتغوص في أعماق تربتها ،
وتنبت من جديد
وتظل توقد في عزيمته
الإرادة
*******
إحداهما امرأة عجوز ، ترتدي
عوزاً وحاجة
محنيّة فوق العصا
في كفّها بعض التمائم
والرقى .
وتميمة زرقاء في وسط
القلادة
ما فارقت عنقاً ، وكانت
كالحجاب
نامت على نغماته منها
البصيرة
واستفاق بها التوسل والتوكل
والركوع
وتناثرت بعض الدموع
عبر المآقي ، والكوى
وعلى ترانيم الصلاة ، ودفئها
جلست تزيح ستائر
الأسرار
تقرأ في كتاب الغيب
مكنون الفراسة
والغد المطويّ في ظل السحاب
وتزيح عن طياته ثقل
الحجاب
*******
من خلفها ، جنية مشقوقة
الغينين ! ، قد ضحك الصباح
بوجهها ...
وتوقدت فيها الأنوثة ..
قامة ممشوقة
وصباً
وكنز لآلئٍ ، مدفونة تحت
الإهاب
ويقال : إن كنوزها مدفونة
تحت التراب
وسطا عليها مارد ، طمعاً
فمزق حسنها تحت
النقاب
وامتص بين عروقها ، ما سال
من ماء الشباب
*******
وعلى امتداد ، مساحة الوجه
المظلل بالوضاءة ..
تمتد آثار، وتقرأ في كتاب
الذل ، أحداثاً ,,, وقصة
وتموج غابات الشجون
وتورق الأشجار ... آهات
وغصة ..
وتطل صرخة مستغيث ٍ
من فم ٍ حر ٍ جريح
صوت تردده الشفاه
بلسان طفل ، فوق أشواك
ينام ...
ولا ينام الأمن فوق الوجه ...
والشفتان تفتقدان ألوان
النضارة .
والرعب يملأ راحتيه حجارة ً
وتسيل من فمه المرارة
والجرح ينزف غضبة ً ...
من فوهة البركان ... تنطلق
القذائف ...
والشرارة خلفها تثب
الشرارة .
*******
صوت تردده الحناجر
ذاب في طعم الجراح
بلسان عبلة ، يقرع الآذان
في شتّى بقاع الأرض ،
في الوطن الممزق ، خلف
أسوار القصور
وكأن عبلة في ملايين
الوجوه
جرح يسيل دماً ... وجبهة
نازف ٍ يأبى ... وصرخة
ثاكلات ٍ ، تستفزّ به
الوثوب
وينام معتصم ٌ بحبل الله
في أحضان غانية لعوب
تحميه آيات ٌ مرصّعة من القرآن
في قصر ٍ يسوّره
الجنود
وعلى شواهق قلعة الحرمات
تصطبغ البيارق حمرة
وتجود من دمها العذارى
ما تجود .
*******
وأفاق عنترة الشجاع
على الصراخ
ونواح عبلة خلف أسوار
الحدود .
ويداه عاريتان ، لا سيف ٌ
ولا رمح يذود .
واجتاحه دفق الحميّة
واستل سيفاً من ركام
حجارة فوق الطريق .
ومضى إلى الساح التي
يعتادها
يغشى الوقيعة ْ
وانقض ّ فوق المهر
تمطره القنا
ويسيل فوق لبانه
نزف الجراح
يسعى إلى خصم ٍ تدرّع
بالسلاح
" كره الكماة نزاله ،
لا ممعن هرباً ولا مستسلم "
*******
والجرح يكبر في جبين الأمة
السمراء .
يكبر في جبين الحرة
المعطاء ِفي نهدي
عروس البيد
عبلة ْ
ويفيض دجلة والفرات .
والنيل يعزف لحنه الأبدي ّ
يخترق العصور
والنيل يهزأ بالقلاع وبالحصون
والقطرة المعطاء تنبت
في بساتين العطاء
سنابلا
والدمعة انقلب السواد بها
إلى لون البياض
في وجه عنترة المكوّم عند
أسوار المدينة
دفقاً من الإكبار ، أشلاء ً
مبعثرة على طول البوادي
والتلال
واخضرّت الصحراء أغنية
تموج بها السواقي ،
والجداول ، والينابيع
الغزيرة
لكن عنترة العتيد
ما زال يولد كل يوم
من جديد
ما زال يولد في ثرى الأرض
السليبة .



0 التعليقات:
إرسال تعليق